السيد حسن الحسيني الشيرازي

11

موسوعة الكلمة

ثمّ ما هي البلاغة في أروع انتفاضاتها ؟ أليست هي العبقريّة التي تنفجر على ألسنة العباقرة ، على نحو ما تتفتّح في أعمالهم ؟ وإذا كان جميع العباقرة أدباء - تختلف مستوياتهم الأدبية ، بمقدار ما تختلف درجات مواهبهم - فما ذا يمنع الرسول صلّى اللّه عليه واله وسلّم أن يكون سيّد الأدباء أجمعين ، كما كان سيّد الأوّلين والآخرين ؟ أوليس هو الإنسان الوحيد ، الذي أصبح الأدب على لسانه معجزة نبوّة ، تحدّث البلاغة البشريّة ، بكلّ ما أمكن العنف والاستفزاز ، فأنابت إليه صاغرة مذعنة ، يسربلها خشوع الإيمان ، بعد أن كان الأدب - ولا زال - لغة تملّق واستجداء ؟ أو ليست المواهب الإنسانية النبيلة ، قد تكرّست فيه أكثر ممّا تفرّق في العباقرة والمفكّرين ؟ ومن ثمّ أصبح أدب النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم فوق مستوى بقيّة الآداب ، بمقدار ما هو فوق مستوى بقيّة الأدباء . وأوّل ما يصدمك في أدب الرسول صلّى اللّه عليه واله وسلّم هو العقل الجبّار ، الذي يترك أفكاره تتوالد وتتسلسل ، كالنهر الذي يجري ويجري دون أن يكون لجريه حساب أو انقطاع ، ويعمّقها حتى لا تظلّ عليه أغوار ، ثم يضبطها بحدود دقيقة لا تسمح لعواطفه الحارّة ، وأحزانه البعيدة أن تطغى عليه ، أو تطيش بكلمة عن غرب لسانه أو شقّ يراعه بلا استئذان ، حتى ليدهش الباحث من تلك الدقّة المنطقيّة ، لو علم أن النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم لم يكن يفكّر في إعداد كلماته ، ولو قبيل ارتجالها بلحظات ، وإنّما كانت تنفجر من نفسه الجيّاشة - لحظة الارتجال - بلا إعداد . ثمّ الخيال الواسع الخفّاق ، الذي يأخذ المعاني الجافّة البعيدة ، فيبلورها ، وينشر لها أجنحة ملوّنة ، تنساب مع النور ، ليتنفّسها روّادها مع الهواء .